الفرق بين النبيذ والخمر

كاتب مُشارك: mouhammad mouhammad
عدد الزيارات 554
الفرق بين النبيذ والخمر

ما الفرق بين النبيذ والخمر، قد يبدو هذا السؤال بشكله العام غريبًا نوعًا ما. إذ أنه من المعروف لدى الجميع أن النبيذ هو نوع من أنواع الخمور، فماذا يحمل هذا السؤال بين ثناياه إذًا؟ وهل هناك تأويلات أخرى تحملها لفظتي نبيذ وخمر؟
ارتبط ظهور الخمر بظهور الحضارة الإنسانية، وقد عرفت شعوب الأرض قاطبةً أنواعًا مختلفةً من الخمر. فها هم المصريون القدامى يصنعون الجعة سنة 3400 ق.م، وها هم السومريون يقطرون البطاطس والحنطة ليصنعوا منها البيرة والنبيذ. ومع ذلك فإن البعض يرجح ظهور الخمر للمرة الأولى إلى زمن سيدنا نوح مستشهدين بأن أول ما ورد في كتاب الإنجيل عن ذكر الخمر، كان عندما زرع سيدنا نوحًا أرضًا، ثم صنع خمرًا شرب منها وسكر، وذلك قبل حادثة الطوفان العظيم.

غزت المشروبات الروحية العالم على نطاقٍ واسعٍ، ولا يوجد اليوم دولة إلا وفيها صنفًا أو أكثر من أصناف المشروبات الكحولية. غير أن وجهات النظر حول الخمر والنبيذ تختلف باختلافات الثقافات والمعتقدات، فقد تقبله البعض واستخدمه في طقوس العبادة التي يمارسها. في حين رفضه آخرون رفضًا قاطعًا وحاربوه بدواعٍ مختلفةٍ دينيةٍ وثقافيةٍ. ومما يزيد الأمر تعقيدًا عزيزي القارئ أن نبي الإسلام الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام، والذي حمل لواء تحريم الخمر في رسالته، قد شرب نبيذًا، كما هو مثبت في الأحاديث الصحيحة والسيرة النبوية!!! فهل هناك فرق بين النبيذ والخمر حقًا؟ وما هو حكم تعاطي كلٍ منهما في الشرائع المختلفة؟

ما الفرق بين النبيذ والخمر لغويًا

لكي نتمكن عزيزي القارئ من معرفة الفرق بين النبيذ والخمر علينا إرجاع اللفظتين إلى معناهما الأساسي، بغض النظر عما يشير إليه المصطلحان حاليًا، وفي هذا المجال يمكننا القول:

ما هو الخمر لغويًا

ورد في معجم لسان العرب أن المخامرة تعني المقاربة والمخالطة، والخمر هو ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل، وقال أبو حنيفة أن الخمر قد تكون من الحبوب أيضًا.

ما هو النبيذ لغويًا

بحسب نفس المعجم فإن النبذ هو طرح الشيء من يدك أمامك، أو خلفك، وإنما سمي النبيذ نبيذًا لأن الذي يتخذه يأخذ تمرًا أو زبيبًا فينبذه في وعاءٍ أو سقاءٍ فيه ماء.

إذًا لكلٍ من الخمر والنبيذ معنىً مختلفًا بحسب ورودهما في معجم لسان العرب وغيرها من معاجم اللغة العربية. فما المعنى الاصطلاحي الذي تحمله اللفظتان.

الفرق بين النبيذ والخمر اصطلاحًا

  1. يشير مصطلحي النبيذ والخمر حاليًا إلى معانٍ قد تكون مختلفةً قليلًا عن معانيهما اللفظية، وذلك على الشكل التالي:

    ما هو الخمر اصطلاحًا

    اسمه العلمي الإيثانول، أو الكحول الإيتيلي، ويشير مصطلح الخمر حاليًا إلى السائل الكحولي الناتج عن عملية التخمر الطبيعية للكربوهيدرات، بعد إضافة بعض أنواع الخمائر التي تعمل على تحويل النشاء إلى إيثانول في جوٍ دافئٍ وخالٍ من الأكسجين. كذلك ينتج عن العملية غاز ثاني أكسيد الكربون، والذي ينطلق في الهواء كناتجٍ للتحول.
    ويعتبر العنب من أشهر المواد المستخدمة في صناعة الخمر، إضافةً إلى الشعير، والقمح، والبطاطا، والذرة، والعسل.

    ما هو النبيذ اصطلاحًا

    يشير مصطلح النبيذ حاليًا إلى المشروب الكحولي الناتج عن تخمير أصناف العنب المخصصة لإنتاج النبيذ، دون وضع أية إضافاتٍ تساعد على عملية التخمر، أو تساعد في التحكم بحلاوة النبيذ. ويقسم النبيذ بحسب طريقة صناعته إلى نبيذٍ أحمرٍ، ونبيذٍ أبيضٍ، ونبيذٍ زهري اللون.

الفرق بين النبيذ والخمر عند العرب والغرب

  1. يطلق الغرب اسم النبيذ على المشروبات الناتجة عن تخمر العنب وعصيره دون أية إضافاتٍ، وكذلك هو الحال بالنسبة للعرب، إذ يطلقون تسمية النبيذ على نفس المشروب الكحولي. إلا أن العرب درجوا أيضًا على إلقاء حباتٍ من التمر أو الزبيب في الماء أو اللبن حتى يصبح طعمه حلوًا فيشربوه، وفي حال ترك لفترةٍ طويلةٍ فإنه يفور ويصبح مسكرًا، وهو في هذه الحالة يسمى نبيذًا أيضًا.
    أما الخمر عند الغرب فهو كل مشروب كحولي ناتج عن تخمر أي نوعٍ من الفواكه والعصائر النباتية باستثناء العنب وعصائره. في حين يطلق العرب تسمية الخمر على كل المشروبات الكحولية بما فيها النبيذ بأنواعه المختلفة.

أنواع الخمر

  1. تعرف شعوب العالم أنواعًا متنوعةً من الخمر تختلف باختلاف الثقافات والعادات السائدة فيها، وأكثر أنواع الخمر شهرةً:

    الويسكي

    يستخدم هذا المصطلح للدلالة على مجموعةٍ واسعةٍ من المشروبات الروحية المعتقة والمقطرة والتي تصنع من حبوب القمح، أو الشعير، أو الذرة، أو الزؤان. وأكثر ما يميز الويسكي هو تعتيقه في براميلٍ مصنوعةٍ من خشب السنديان، وتعتبر اسكتلندا من أشهر الدول إنتاجًا للويسكي ويعرف بالسكوتش Scotch.

    الفودكا

    هو مشروب كحولي يصنع من الماء وكحول الإيثانول، مع إضافة بعض النكهات، وينتج عن تخمير بعض الحبوب أو البطاطا. وتستهلك الفودكا بشكلٍ كبيرٍ في دول أوروبا الشرقية الباردة وعلى رأسها روسيا التي تعتبر أفضل من يصنع مشروب الفودكا في العالم.

    البراندي

    مشروب كحولي مصنوع من تخمير العنب، ثم تقطيره. حيث يعتق البراندي في براميلٍ خشبيةٍ لإكسابه لون البراميل، وقد يضاف للمشروب بعض الملونات. يحتوي البراندي على كحولٍ بنسبة خمسٍ وثلاثين إلى ستين بالمئة، وعادةً ما يتناول قبل أو بعد وجبة الطعام.

    التيكيلا

    نوع من أنواع الخمر مصنوع من نبات آكاف التيكيلا الأزرق وتعرف محليًا بنبتة الماكوي وهي إحدى فصائل نبات الزنبق، وقد أطلقت عليها هذه التسمية نسبةً لقرية تيكيلا غرب ولاية خاليسكو المكسيكية، وتحتوي التيكيلا على الكحول بنسبة خمسٍ وثلاثين إلى خمسٍ وخمسين بالمئة.

    الكونياك

    مشروب كحولي مصنوع من العنب عن طريق التقطير، وأطلق عليه هذا الاسم نسبةً لمدينة كونياك الواقعة في إقليم شارنت في فرنسا. ومن مميزات الكونياك أنه يعتق في براميل خشبيةٍ فرنسيةٍ لمدة سنتين على الأقل قبل أن يطرح في الأسواق.

    البيرة (الجعة)

    تصنع البيرة بحلمهة النشاء، ثم تخمير السكر الناتج عن العملية، ويعتبر القمح أكثر الحبوب استعمالًا لصناعة الجعة، وتضاف لمعظم أنواع الجعة بعد صناعتها نكهة أزهار الجنجل، وهذا ما يعطيها طعمًا مرًا ويحفظها من الفساد. وتعتبر الجعة أكثر المشروبات الكحولية شيوعًا في العالم، وتحتل المرتبة الثالثة كأكثر المشروبات استهلاكًا على سطح الأرض بعد الماء والشاي.

    العرق

    وهو مشروب كحولي لا لون له يصنع عن طريق تخمير العنب، ثم تقطيره عن طريق التسخين، وتحليته أثناء التقطير باستخدام نبات اليانسون بنسبٍ معينةٍ حسب الرغبة. ويعتبر العرق أكثر المشروبات الكحولية شعبيةً في الدول العربية ودول البحر المتوسط وإيران.

أنواع النبيذ

  1. كما هو الحال بالنسبة للخمر، فهناك أنواعًا مختلفةً من النبيذ، إلا أن فرنسا تعتبر موطن النبيذ الفاخر بما تقدمه من أنواع النبيذ المعروفة عالميًا وأشهر هذه الأنواع:

    الشامبانيا

    هي النبيذ الغازي الفوار المشهور، وترجع التسمية إلى منطقة في فرنسا تعرف باسم شامبانيا، ويصنع هذا النبيذ بتحفيز عملية تخمر عصير العنب وعملية الكربنة التي تنتج الغاز داخل العبوة وتجعل من المشروب مشروبًا فوارًا.

    نبيذ بوردو

    أحد أشهر أنواع النبيذ الفرنسي، ويصنع في مدينة بوردو الفرنسية، ويقسم إلى تسعةٍ وعشرين نوعًا موزعةً بين النبيذ الأحمر، والنبيذ الأبيض، وأشهر ماركاته شاتو لاتور، شاتو مارجو، شاتو موتون روتشليد.

حكم شرب الخمر في الديانة اليهودية

  1. يمكن أن نلاحظ من العهد القديم أن هناك اتجاهين أولهما يبيح الخمر، والثاني ينهى عنه. إذ يظهر في بعض الأسفار أن الخمر كان يشرب في بيوتٍ مخصصةٍ له، وحتى أن الحرمان من شرب الخمر كان يعتبر عقوبةً. وفي أسفارٍ أخرى يبدو أن الخمر يذهب بعقول الملوك والعظماء، لذا يجب عليهم ألا يشربوا ويسكروا فينسوا حقوق الناس، ويهملوا دعوى المساكين.
    أما في العصر الحديث فيستخدم اليهود النبيذ في كثيرٍ من طقوسهم الدينية حتى أنه بات يعتبر جزءًا لا يتجزأ من دعاء الكيدوش الذي يتلى مع كأس النبيذ ليلة السبت. كذلك يتناول اليهود النبيذ كجزءٍ من طقوس القربان التي يقيموها في خيمة الاجتماع في الهيكل في مدينة القدس في فلسطين المحتلة.

حكم شرب الخمر في الديانة المسيحية

  1. لا يعتبر شرب الخمر والنبيذ محرمًا في الديانة المسيحية، ويذكر العهد الجديد أن عيسى عليه السلام شرب وتلامذته الخمر، وقد قام في آخر أيام حياته بتقديم كأسٍ من الخمر لتلامذته قائلًا هذا هو دمي، ولا يزال المسيحيون يجعلون ذلك أساس القداس الإلهي إلى يومنا هذا. إلا أن تعاليم المسيحية حذرت من جهةٍ أخرى من الانغماس في اللذات والشهوات، بما في ذلك شرب الخمر والمسكرات. لذا حرمت الكنيسة الأرثوذكسية على رجال الدين شرب الخمر، تبعها بعد ذلك الكنائس البروتستانتية. فيما اشترطت الكنائس الكاثوليكية على رجال الدين عدم الإدمان على شرب الخمر، وليس الامتناع عنه إطلاقًا.

حكم شرب الخمر في الإسلام

  1. جاء تحريم شرب الخمر في الإسلام على مراحلٍ نتيجةً لاعتياد الناس على شربه وصعوبة تخليهم عنه، فبدأت القصة بإظهار أن للخمر فوائدًا لكن مضاره أكثر، تلاها النهي عن شرب الخمر أثناء الصلاة، ثم ذكر مضار الخمر وأنه سبب العداوة والبغضاء بين المسلمين وصولًا إلى تحريم الخمر بشكلٍ مطلقٍ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة 90.

    أما فيما يتعلق بالنبيذ فقد ذكرنا في بداية مقالنا أن النبي محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام كان يشرب النبيذ، والنبيذ الذي كان يشربه الرسول صلى الله عليه وسلم هو حبات التمر والزبيب المنقوعة بالماء أو اللبن لتكسبها طعمًا حلوًا. علمًا أن الرسول كان لا يشرب هذا المنقوع بعد ثلاثة أيامٍ حيث يبدأ بالتخمر عندها ويصبح مسكرًا، وبذلك يصبح محرمًا شأنه في ذلك شأن الخمر.

  2. قد تتساءل عزيزي القارئ عن سبب اختلاف أحكام شرب الخمر بين الديانات السماوية على الرغم من أن الرب المعبود واحد في جميع هذه الديانات. إلا أننا نقول إن الشرائع جاءت متوافقةً مع العادات والثقافات السائدة في الجغرافية التي نزلت فيها الديانة، مما جعل أحكام الشرائع مختلفةً ومن ضمنها أحكام شرب الخمر والنبيذ، والتي يبدو أن الله قد رأى في تحريمها خير للأمة الإسلامية، والله أعلم.